جعفر مصطفى*
عبارة اسمعها كل يوم، وفي كل مناسبة تقريباً، حتى كادت تدفعني للجنون. عبارة تُقال بثقة عمياء، وكأنها حقيقة مجردة لا تحتاج إلى التفكير أو المساءلة.

رجل الكهف-الصورة من الإنترنت
أحياناً أشعر أن من يرددها على مسمعي، يستنكر علي أن أعترف بأنني تعبت، ويستنكر حتى محاولاتي البائسة في النجاة، وكأن الرغبة في الخلاص خيانة عظمى لما أنا عليه. وكأن الألم صار شرطاً غير معلناً للشرعية، وكأن من يحاول التخفف منه متهم بالسطحية أو الهروب.
هم يرون أن المعاناة ليست تجربة إنسانية قاسية، بل وسام يجب أن أدافع عنه لأبقى كما أنا.
ولكن السؤال الذي لا يفكر أن يطرحه أحد: هل المعاناة حقاً شرط للإبداع؟ أم أننا نخلط بين الألم بوصفه تجربه إنسانية، وبين تمجيده بوصفه مصدراً للعمق؟
لفهم هذا السؤال، لا بد من العودة قليلًا إلى الفلسفة، لا بوصفها تنظيراً مجردًا، بل بوصفها محاولة لفهم الإنسان في علاقته بالعالم.
فالفلسفة لم تولد بوصفها ترفاً ذهنياً، ولا نتيجة فضول ثقافي. كما نعتبرها هنا في بلاد العرب، بل ظهرت كاستجابة تاريخية لحظة لم تعد فيها الإجابات الجاهزة كافية. ظهرت الفلسفة حين فقدت الأسطورة قدرتها على الإقناع، وحين صار العرف موضعاً للشك، وحين لم تعد السلطة قادرة على احتكار الحقيقة. هنا تماماً ظهر السؤال الذي لم يعد بالإمكان كبحه: لماذا نؤمن بما نؤمن به؟
هنا بدأت الفلسفة بوصفها انتقالاً من الخضوع للتفسير، إلى محاكمة التفسير نفسه. ولم تعد الحقيقة تُقبل كشيء موروث بديهي ومسلم به. ومع سقراط أصبح السؤال أداة يومية لخلخلة اليقين، لا بغرض البحث عن أجوبة جاهزة، بل عن الوعي بالحدود. ثم جاء أفلاطون ليبحث عن معنى ثابت خلف فوضى الآراء، بينما حول أرسطو هذا القلق الفكري إلى منهج منظم يربط العقل بالواقع. ومن هنا لربما بدأت قصة الفلسفة.
ومع تطور الفلسفة، واهتمامها بالحقيقة ، انصبت مقاصدها على التجربة الإنسانية بأكملها. هنا دخل الجمال إلى التفكير الفلسفي، ليس كزخرفة، بل عنصر أساسي في فهم كيف يعيش الإنسان العالم.
في التصورات الأولى ارتبط الجمال بالكمال والتناسق والنظام، كان الجميل هو المتوازن، الواضح والمنسجم. وغالباً ما ارتبط الجمال بالخير، بينما يُدفع القبح إلى جهة الشر، ولكن مع تطور التجربة الإنسانية ومع انكشاف هشاشة الوجود، لم يصمد هذا التصور طويلاً. فالعالم الذي يعيشه الإنسان ليس منتظماً، ولا عادلاً، ولا خالياً من القسوة. ومع ذلك لم يتوقف الإنسان عن البحث فيه عن المعنى، بل عن الجمال أيضاً.
العالم الذي يختبره الإنسان ليس متناسقاً ولا عادلًا، فيه الفقد، والألم، والعبث، والقسوة. ومع ذلك، لم يتوقف الإنسان عن الإبداع.
هنا بدأ التحول. فلم يعد الجمال مرادفًا للراحة، بل أصبح مرتبطًا بالقدرة على النظر إلى المأساة دون إنكارها. ظهرت التراجيديا، وظهر الفن الذي لا يهرب من الألم، بل يواجهه.
من هذه النقطة، بدأت تتشكل الفكرة التي تقول إن الإبداع يولد من المعاناة. لكن هذه الفكرة، رغم جاذبيتها، تحمل في داخلها التباساً خطيراً. فهناك فرق جوهري بين أن يكون الألم موضوعاً للتأمل، وبين أن يكون شرطاً للإبداع.
في الفن، المعاناة تُقدم دائماً عبر مسافة: مسافة اللغة، أو الصورة، أو الشكل الفني. هذه المسافة هي ما يسمح بتحويل الألم إلى معنى دون أن يدمّر صاحبه.
أما في الحياة، فالمعاناة ليست مجازاً ولا تجربة جمالية. إنها استنزاف حقيقي. لا تمنح العمق تلقائياً، ولا تنتج الإبداع بالضرورة. كثير من الألم لا يخلق فناً، بل يخلق صمتاً، وانكساراً، وتعبًاً. وحين نكرر بلا تفكير أن الإبداع يولد من المعاناة، فإننا نخاطر بتحويل الألم إلى قيمة، وربما إلى قدر يُفترض تحمله بدل السعي إلى تجاوزه.
لكن غالباً ما يدافع عن مقولة “الإبداع يولد من رحم المعاناة” بالقول إن المقصود ليس الألم الجسدي أو العابر، كوجع الضرس أو المرض مثلاً، بل نوع آخر من المعاناة مثل الوحشة الوجودية أو الحساسية تجاه الفقد، أو الشعور بعدم عدالة الحظوظ في الحياة. ويُقال إن هذه التجربة العميقة هي ما يدفع الكاتب أو الفنان، بوعي أو من دون وعي، إلى محاولة الإجابة عن معنى الحياة عبر الإبداع.
هذا التمييز مهم، لكن لا يكفي. لأنه بالرغم من دقته الظاهرية، تبقي المعاناة (وإن بصيغة أرقى) في موقع الأصل والشرط، متجاهلاً فكرة أن الحساسية ليست بالضرورة نتاج معاناة. قد تكون سمة شخصية، أو قدرة على الانتباه أو ميلاً فطرياً للتأمل، أو فضولاً عميقاً تجاه العالم. كما أن التساؤل عن معنى الحياة لا يولد دائماً من الجرح، أحياناً يولد من الدهشة، من الامتلاء، من الحب أو حتى من لحظة صفاء مفاجئة تكشف هشاشة الأشياء دون أن تكون مؤلمة بالضرورة.
وإن عدنا للتاريخ البشري وسألنا عن الإبداع في بداياته أول قصيدة قيلت، أغنية، لوحة أو موسيقى. كانت نتيجة ماذا؟ هل كانت نتيجة الألم؟

سقراط-صورة من الانترنت
لا، فأول إنسان غنى أو رسم أو قرع إيقاعاً، لم يكن بالضرورة متألماً، بل كان مندهشاً. من النار والموت وحتى الأحلام والطبيعة التي لا يفهمها. أقدم الفنون كانت طقوساً ورقصاً ورسوم كهوف، لم تخلق لتفريغ الألم النفسي بل لفهم العالم وتنظيم الخوف ومحاولة للتواصل مع المجهول ومنح الحياة شكلاً قابلاً للاحتمال. الإبداع الأول للإنسان، حين رقص حول النار وأطلق الأصوات والنغمات لم يكن فعله تعبيراً ذاتياً فردياً، بل كان فعلاً جماعياً، لغة مشتركة للاحتفال أو الصد أو الدفن. المعاناة الفردية أتت بعد ذلك بكثير.
هنا يبرز السؤال الحقيقي: هل الإبداع يحتاج إلى المعاناة، أم يحتاج إلى الوعي؟
نعم المعاناة قد تكشف شيئاً عن الإنسان، لكنها لا تختصره، والألم قد يفتح باباً للفهم، لكنه لا يصلح أن يكون هوية دائمة. ولا شرطاً للعمق ولا حتى معياراً للحقيقة. والإبداع حين يفصل عن هذا الوعي، وحين يربط بالألم وحده يتحول إلى قسوة مقنعة ويصبح تبريراً غير معلن للرغبة في استمراره.
الإبداع في نظري، ليس استجابة تلقائية للمعاناة، بل فعل تحويل.
تحويل تجربة (أياً كانت) إلى معنى. وقد تكون هذه التجربة فقداً أو عشقاً أو خوفاً، لكنها قد تكون أيضاً دهشة أو فرح اأو سؤالا نقيا بلا جرح واضح.
ما يزعجني في عبارة “الإبداع يولد من رحم المعاناة” ليس خطأها النظري فقط، بل قسوتها غير المعلنة. فهي تطلب من الإنسان أن يتألم كي نراه صادقاً، وأن يبقى في الجرح كي ينال الاحترم. وأنا لا أريد إبداعاً يبنى على استمرار الألم، ولا جمالاً يحتاج إلى ضحايا ليبرر نفسه.
ما يصنع الإبداع ليس نوع التجربة، بل القدرة على الرؤية والإصغاء والشعور، وعلى الإمساك بما هو إنساني فيها. قبل أن يتصلب في تعريف واحد. ومرة أخيرة، الإبداع في نظري لا يحتاج إلى المعاناة، بقدر ما يحتاج إلى الشجاعة، شجاعة النظر وشجاعة محاولة الفهم وحتى شجاعة النجاة.
*كاتب من سوريا