
يذكر لي صديق أن من بين مرضاه الذين خضعوا فترة لجلسات علاجية، رجل متدين يعاني من إدمان على الكحول، وقد كشف له أنه بين الفينة والأخرى يسافر بعيداً عن بلده بحثاً عن المتعة وبنات الهوى وكأس الخمر، وحكى له أنه مرة التقى في ملهى ليلي بشخص يعرفه جيداً، لأنه زميله في العمل، يشغل مثله وظيفة دينية، يفترض أن يكون تقيّاً، وحين تواجها لم ينظر أحدهما في عين الآخر، بل تبادلا كلمة تختزل الحال: “خربانة!”. فقد انفضح كل شيء ولم يعد ثمة ما يخفيانه.
تذكرني هذه القصة بما ذكر عن فقيه كبير من علماء الإسلام هو الآمدي الذي شهد عليه طلابه بأنه لم يكن يصلي، وقد ذكر الذهبي في كتابه سير “أعلام النبلاء” عن عالم من أهل الحديث -إن لم تخذلني الذاكرة- كان تلاميذه يزورونه في بيته، ويرون كؤوس الخمر وآلات الموسيقى في جوانب البيت. كما ذكر الذهبي عن عالم من أهل الحديث لم يكن يصلي الفرائض، وكلما دخل عليه أصحابه بعد انصرافهم من الصلاة يسألهم متصنعاً الدهشة: “أصليتم؟! والله فاتتني”.
ومثل هذه القصة ما رواه لي صديق قريب أن واعظاً شهيراً على التلفزيون كان يرافق أحد الأثرياء إذا سافر إلى بلاد الجمال والمتعة والشقراوات، وكان يحضره معه ليكون بركة، وليطهر بعض ما يرنو على نفسه من الإثم والإسراف على النفس، وإذا شعر بقسوة في قلبه، طلب منه أن يعظه ومن حضر، أو يتلو عليهم بعضاً من آي القرآن، ولذلك كان الثري حريصاً على ألا يخدش مولانا بهاء التقوى التي تزينه وتدعو الناس إلى توقيره، فإذا جن المساء حرص الثري أن يقضي الشيخ ليله راقداً في فراشه بأمان الله، أو يسِح دموعه باكيّاً متضرعاً بين يدي ربه، أو متأملاً في الكون والسماء وبديع صنع الله، ولكن مولانا لا ينفك يشكو لسيده من عزلته، مبديّاً رغبته أن يكون شريكاً في المتعة. وهكذا تنقضي الأسفار بين الشيخ والثري.
هذه القصص والوقائع تكشف حقيقة أنفسنا الأمّارة بالسوء، وقد كنت أشرت في مقالتي السابقة إلى أن القرآن الكريم والسيرة النبوية وتاريخ الإسلام المبكر، كلها متضمنة وقائع وقصصاً توضح أن بعض الصحابة وقعوا في ذنوب وكبائر، ومنهم من عوقب أو عُزل عن المجتمع فترة، أو ناله التوبيخ والتعنيف، ولهذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم غيركم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم”. ولكن البلاء ليس هذا. فكم من عبد أسرف على نفسه، ثم انكسر وصلحت حاله، فكان خيراً منه قبل الزلة.
إنما البلاء كله في النفاق، ومحاربة الله في الخلوات بعيداً عن العيون، والتظاهر بالتقوى وتفسيق الخلق والكبر والغرور.
كم هو محزن أن بعضاً ممن يتبع الناس ذيولهم ويلاحقون برامجهم ويلهجون بذكرهم إنما هم خواء من الداخل، منهم من استغل لحيته وثوبه القصير لأكل أموال الناس بالمشاريع الاستثمارية العقارية التي لم تكن إلا وهماً للمساكين ومصدر ثراء للمطاوعة، وفيهم من يقضي معظم وقته في ملاحقة المعجبات ومراعاة طلباتهن ومشاعرهن الدافئة، أو قضاء الأوقات في محاولات لا تتوقف للارتباط بهن بأي وسيلة من زواج دائم أو مسيار أو زواج متعة.
لهذا قيل قديماً: من يصلح الملحَ إذا الملحُ فسد؟!
جريدة الاتحاد الإثنين 06 فبراير 2012