غربة جهيمان مع لطيفة الشعلان

أكتوبر 5, 2026 | غير مصنف

منصور النقيدان

في عام 1977 عرفت بريدة الجماعة السلفية المحتسبة، فقد اعتادوا زيارتها وتعرفوا على جماعة إخوان بريدة، وخالطوهم في المدرسة الخاصة بهم، وسكنوا فترة في نزلها المخصص للطلاب.

إخوان بريدة سلفيون وهابيون رأوا في أنفسهم أمناء وورثة أوفياء لتعاليم ابن عبدالوهاب، واحتفظوا بالطاعة والولاء لآل سعود، متمتعين بعلاقة جيدة مع الشيخ ابن باز، ولم يكن تشددهم ومقاطعتهم للتعليم الحكومي، ونفرة غالبيتهم من وظائف الدولة، لتحول دون الود والتقدير الذي يكنونه لابن باز، الذي كان هو نفسه شيخًا لهم ومرجعًا لا ينقطعون عن زيارته واستشارته حين يواجهون أزمة أو تدور حولهم الظنون.

وعلى بعد خطوات من المبنى القديم للمدرسة الدينية جنوبي بريدة، المدرسة التي عرفت باسم المدرسة العلمية الأهلية، كان مسجد الشيخ عمر ابن سليم، وقد اعتاد جهيمان الصلاة فيه حين يبيت في المدرسة، أو يزور بعضًا من أصحابه الذين كانوا يسكنون قريبًا من المكان.

الإلف الحذر بين الجماعتين وُلد قبل أن ينشأ الشقاق بمدة قصيرة، لأسباب تتعلق بموقف المحتسبة من الفقهاء وخلافهم في مسائل لا تتفق مع حنابلة نجد، إضافة إلى ما كان يرشح في النقاش من موقف منابذ لولاة الأمر، وربما تغذى هذا الموقف من الصدام الذي عاشته المدينة المنورة بين السلفيين وبين أئمة الحرم وأساتذة الجامعة الإسلامية.

ومع أن النفرة بدأت بالتزايد قبل اقتحام جهيمان للحرم بأكثر من سنتين، إلا أن جهيمان حرص أن يلتقي إنسانًا كان يمتاز بنظرة مختلفة عن سائر إخوان بريدة هو عبدالكريم الحميد، فقد سعى إلى لقائه والحديث معه. كتب جهيمان رسالة على ورقة صغيرة وسلمها إلى شخص ذي صلة بعبدالكريم، يطلب لقاءه، فالتقيا وقتًا قصيرًا أمام المسجد، دقائق ثم سار كل منهما إلى وجهته. لم يشعر عبدالكريم بالارتياح تجاه الرجل.

وعبدالكريم هو واحد من إخوان بريدة، اتخذ نهجًا يختلف عما اعتادوه والتزموه، هاجر إليهم بقلبه وأشواقه أوائل السبعينيات، إثر قصة حب عارمة جعلت منه إنسانًا آخر مهيأ لرحلته الكبرى التي خبأ له القدر في منعرجاتها سيرة حياة متخمة بالوحدة والعزلة والحزن والهجر، والوحشة، والغربة، ثم بريق الأتباع والشهرة، فالضمور والنسيان.

سيكون عبدالكريم معروفًا في القصيم منذ بداية الثمانينيات، ومشهورًا بأفكاره التي نشرها في مذكرات بخط اليد حول الخوارق الشيطانية والمخترعات السحرية، والوحيد الذي لا يستخدم السيارة ولا الكهرباء، وسوف تتجاوز شهرته السعودية منذ بداية التسعينيات، وأحد ملهمي تنظيم القاعدة منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر، مع تعرجات وسجن وإقامة جبرية، حتى وفاته في أكتوبر في العام 2024.

في فبراير 1998 نشرت أول مقالة في الصحافة، ناقشت مسألة فتنة خلق القرآن، وانتقدت في مقالتي موقف الإمام أحمد، وتناقضات أهل الحديث، في شدتهم ضد المعتزلة وابن أبي دؤاد مقارنة بالمأمون، والمعتصم والواثق.

صدم كل من عرفني مسبقًا، وشككوا في أن أكون الكاتب نفسه، وآخرون قالوا ربما تشابه أسماء، وبعد شهور وقعت في يدي أوراق كتبها عبدالكريم الحميد يرد فيها على ما جاء في المقالة.

مرت علاقتي بعبدالكريم منذ منتصف 1986 حتى يوم نشر المقالة بمواسم متعددة من القرب ثم الشغب ثم الألفة الباردة، ثم استقرت على حبل وصل مشوب بالريبة والتوجس. كان يرقب تحولاتي التي كانت كانحسار الظل.

ذكر الحميد في أوراقه سطورًا من تاريخي معه، وأكد أن رؤى كثيرة تنبأت مبكرًا بانتكاستي، وانحرافي عن المعتقد السليم. ولكنهم كانوا يأخذونها على حسن الظن، لما يرونه في ظاهري من خير ولما يحسبونه من نية صادقة.

منذ 1986 عرفت مواسم قصيرة من الرضى من شيوخي والنافذين في جماعتنا، وبعض أصحابي، فقد فسر بعض من المنامات التي تثير القلق من الثبات على الحق على أنه أضغاث أحلام، أو حديث نفس، وبعض منها على أنه خير وبشرى للمؤمن، وبعض منها كان في خانة حديث النفس أو أضغاث أحلام ومن الشيطان، وبعد نشر مقالتي عام 1998 اعتبرت بأثر رجعي على أنها رؤى صادقة وجاء تأويلها بما آل إليه حالي من الضلال.

عند علماء السلف وأهل الحديث فإن الرؤيا إذا فسرت من عارف مرة واحدة لا تقبل التفسير مرة أخرى، لقد استنفدت حمولتها من حين لمس المفسر سجف الغيب، فالرؤيا نبوءة وقبس من القدر المخبوء.

ومنذ 1986 حتى نهاية التسعينيات من القرن الماضي رأيت في نفسي ورأى أصحابي بعض المنامات المتضاربة، المتناقضة، فيها ما فسر على أني سأكون «صبي توحيد» منافحًا عن عقيدة التوحيد والسلف، وفيها الذي فسر على أنه تيه وحيرة. كنت مشاغبًا عنيدًا غير مطواع ولا أستمع لنصائح مشايخي وعقلاء الجماعة. ومن تلك المنامات ما فسر على أنه يكشف خبيئة دفينة أمارسها في الخلوات.

للرؤى والمنامات تأثير يفوق ما نتصوره في اتخاذ القرارات، عقد صفقة، وإفشال زواج، والنفرة من إنسان، وحسن الظن بآخر، وترجيح مسألة فقهية أو كلامية هي محل نزاع، وهي عند بعض الفقهاء من المؤنسات التي تعزز القول بمسألة وترجحه. وقد ذكر ابن عربي أن بعض كتبه أمليت عليه أو أُذن له بها في المنام.

وفي الزنازين التي خبرتها خمس مرات، فإن الأحلام أحد الأسباب التي تمنح اليائس أملًا وتخفف من وحشته، وتنفخ فيه روح التماسك، وتجنبه السقوط في ظلمة الخبل. وبقدر وضوحها يكون أثرها. في عام 1996 ولثمانية شهور كان زميل لي في زنزانة جماعية يخصص كل أسبوعين لنا رؤيا تمنحنا الصبر والغبطة والفرح، ومنها واحدة أصابتنا بالاصطلام: أنا كنا صحبة الرسول، نحف به متحلقين حوله، جلوسًا فوق الغمام وفوانيس معلقة فوق رؤوسنا، خاشعين. بعد شهور أخبرنا أنه لم يكن صادقًا ولكنه قصد أن يسعدنا، ويخفف بلوانا.

كتاب الغريب

أهدتني لطيفة الشعلان كتابها «الغريب»، وقد قرأت أغلبه مع صديق على مدى أسبوع قراءة جماعية، وكانت المؤلفة قد كشفت لي 2015 عن عزمها العمل على دراسة حول جهيمان، وفي مارس من هذا العام بشرتني أنها انتهت من الكتاب، وأنه سيرى النور قبل نهاية العام.

عرفت لطيفة كاتبة في مجلة المجلة 1999.

وكنت قبلها أحظى باهتمام رئيس التحرير، وبرعاية خاصة وتبنٍّ من المفكر الصديق علي العميم، وهو الآخر كان كاتبًا ومحررًا في المجلة.

وإثر الاحتفاء والاهتمام وضعت خطة للزحف نحو الصفحة الأخيرة. وعلى حين غرة، نسجت مكيدة من وراء ظهري، وذات جمعة حزينة، تصفحت عدد المجلة، وكاتبة لا أعرفها قد أخذت مكاني.

وقضيت أيامًا والمرارة تصحبني، ومنحت من قبل المجلة ميزة خففت من آلامي. خصصت لي الصفحة التي تسبق الأخيرة. قلت لهم بأسى: هذه بريد القراء. قالوا: لا، ركز جيدًا، هي صفحتك، ستكون زاوية ثابتة، سمها وارقص طربًا. سميتها «بلا خطام».

وابتلعت أحزاني.

تابعت مقالات لطيفة وبدأت أستمتع بها وقلت لصديق: يبدو أنها تكتب جيدًا، ذكية وعدوانية، تبدو مثقفة، وهي أفضل كاتبة قرأت لها، ومن المؤكد أنها ثانية أفضل كتاب المجلة.

وفي عام 1990 وفي بيت الطين الذي كنت أسكنه قبلة جامع الخريصي ببريدة أثار معي إبراهيم الريس مسألة «حجية فهم السلف في فهم الشريعة والعقيدة»، هل نحن ملزمون بفهمهم في العقيدة والإيمان والإلهيات. جللني الخوف وارتبكت. إبراهيم كان عاميًا متدينًا معتنقًا نهج أهل الحديث، جريئًا وواثقًا في فهمه على حياء وأدب رفيع، الذين مثلوا امتدادًا لجماعة جهيمان، وقد قضى في مواجهة أمنية عام 2003.

أثرت بعدها هذه المسألة مع اثنين من الأصدقاء، لأستجلي رأيهما، وعرفت أنها أثيرت لاحقًا في بيت صياح في الرياض عام 1991. ولكنها أميتت في مهدها. وفي عام 1994 وأنا أقرأ كتاب «بنية العقل العربي» للجابري، استفاقت تلك المسألة. بعدها بسنوات استرجعت مع صديقين الحديث حول تلك الشطحة، وأنه لو أن هذا النقاش استمر فإن المآل لتلك العقول السلفية أن تصل إلى ما آل إليه الأمر مع نهاية التسعينيات وبداية الألفية مع مجموعة قليلة من السلفيين الذين انعتقوا وكسروا الطوق على تفاوت بينهم.

وفي الوقت الذي بدأت تتجلى هذه النزعة على مواقع الدردشة وعلى الصحافة على استحياء، كان بعض ممن أثارها قبل عشر سنوات أو تزيد قد أصبحوا أعضاء في تنظيم القاعدة.

قد تكون هذه النزعة تخلقت بذرتها أمشاجًا لم تكتمل في الحرة الشرقية، وهذا يفسر جرأة جهيمان على تفسير النصوص وأشراط الساعة وتجسيدها والإيمان بتحقق وقوعها. إن الإلفة المثيرة للدهشة من قبل الجماعة تجاه ابن حزم الظاهري وإرثه، هي ذلك الحبل السري الذي غذاها بالسلاطة والشراسة في مشاكسة الحنابلة والقاموس الساخر تجاه تصورات الفقهاء وتخريجاتهم.

لقد دفع جهيمان عن نفسه وعن أصحابه تهمة «الظاهرية»، ولكن أي عارف بالجماعة وبتاريخها وقارئ لرسائلها ومراقب للحركة بعد انبعاثها نهاية الثمانينيات سيشعر بأنفاس أبي علي ابن حزم وسيجد أثره فيهم وفي شيخهم الألباني.

إن تسور الحدود المحرمة والتشكيك في فهم السلف، كسر للعقل السني، وتمرد على مؤسسيه الشافعي وأحمد بن حنبل والغزالي وابن تيمية والألباني وأهل الحديث أنفسهم. لقد مثلت أصول الفقه فخر المنطق السني وجوهرته، وقد ولدت الأسئلة قديمًا قبل اقتحام الحرم، بدأت إرهاصاتها مع الجماعة السلفية أهل الحديث في المدينة، ولكنها لم تؤخذ على محمل الجد، أو لم يكن أحد راغبًا في الاقتراب من صندوق باندورا.

ومن المؤكد أن النابهين من الجماعة على تواضع معرفتهم بالشريعة وعلم الكلام وأصول الفقه أدركوا ما الذي يمكن أن يفضي إليه هذا السؤال المرعب. إنه اندياح نحو العدمية السلفية!

لم تكن الجماعة مهيأة لهذه القفزة، فقد كان لدى جهيمان والجماعة غاية يسعون إلى تحقيقها، مكتفين بالجرأة على الفقهاء وكتب المذهب وتخريجاتها، ولكنها خلقت سياجًا ومصفاة تقوم بدورها مع كل انعطافة ومحنة لتخليص الجماعة في سنواتها الأخيرة من الدخلاء والمندسين والضعاف، ولتنفي عنها أولئك الذين لم يستوفوا الشروط ليكونوا من خلصاء جهيمان ممن تأهلوا للالتفاف حول المهدي.

في السنة التي وقعت فيها أحداث الحرم، كنت ابن عشر سنوات، عصف بي الرعب حين ظهر على التلفزيون مقيدًا ويداه إلى ظهره. وسمعت في المجالس أنه مقيد لأنه لحظة حاصروه، استحال إلى عنكبوت، ثم إلى طائر، ولكنه لم يتمكن من النفاذ. فأبطل الله سحره.

ولأني أمر هذه السنة بمنعطفات حادة وعميقة الأثر في نفسي، فقد استقبلت الكتاب في حالة من الهشاشة والحساسية المفرطة، وكنت نفسيًا وذهنيًا أرضًا خصبة لامتصاص واستيعاب بعض من أعقد مواضع الكتاب، وغشيتني استجابة خاصة تجاه ما ذكرته المؤلفة في الكتاب مما له علاقة بالذاكرة والأشخاص والجماعات والمواقف التي تقاطعت مع سيرتي وتقلبات حياتي منذ السادسة عشرة.

في سبعة مواضع من كتاب «الغريب» ما يشبه العزاء الذي يلامس شغاف القلب، ذروة من الجمال في العبارة ودقة التوصيف للقلق الخائف المطارد، ورعب الفناء والعزلة، في إهاب من التعبير الباذخ مضاهيًا حلاوة الشعر الصوفي ونثر الحكماء، وفخامة المعلمين الروحانيين.

إنها أشبه بتهويدة وعزاء لمن عرف أوهام التيه وبرح الانكسار، غصص الخسارة، وفواجع الحروب، أسى الفقد، وجلال الموت، وتهاويل القلق من المستقبل، وظلمة الإقدام على الانتحار، وضياع الحب، وانهيار الأحلام، والمهج المدنفة المكسورة.

ولكل أولئك الغرباء الذين أعدوا الزاد واختاروا مرابعهم الموعودة، وعزموا على الهجرة نحو بلاد الأفراح، تتناوشهم الضواري، وتتناوحهم المخاطر، عازمين أن يبلغوا الذرى، ويلامسوا التخوم، يهجعون كلما أعياهم السير على جنبات الطريق، مدلجين والقوم نيام، مكتفين بجرعة ماء، ولقمة تقيم أودهم، متنشفين بالنور، تسوقهم أحلامهم لاختراق سجف معنى وجودهم؛ سيجدون بعضًا من السلوى في رفقة «الغريب».

وهذا هو أحد أسرار الكتاب، وألق سحره الخلاب.

وبما أن الحلم هو جنين الواقع كما يقول الحلاج، فإن ما لا يمكن احتماله هو أن نعي أن الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا.

لو كان جهيمان ساحرًا لنفذ بجلده قبل أن يمسكوا به، أو لو كان ممن تسللوا من النوافذ العليا للحرم في أيامه الأولى، أو لو أنه أفلت آخر أيامه من نفق من القبو يفضي إلى جبال مكة، متخفيًا في كهوف الجبال سبعًا وأربعين عامًا، ثم وقع بيده «الغريب»، لهز رأسه مخاطبًا نفسه:

«أنا الغريب، ولكنها بعدُ واقفة على الضفاف، بعد يا لطيفة».

4 أكتوبر 2026