
عدد صفحات الكتاب:720
عام النشر: 2024
المؤلف: إدوارد لوس (Edward Luce)
صحفي ومحلل سياسي بريطاني بارز، يشغل منصب محرر وكاتب عمود في صحيفة فايننشال تايمز
متخصص في الشؤون الأميركية والدولية.
مقدمة:
يتألف الكتاب من عشرة فصول، لكننا لن نتوقف في هذا العرض على عرض الفصول، بل سنعيد سرد قصة زبيغنيو بريجنسكي كقصة ممتدة عبر قرن كامل: من طفولته في وارسو بين حربين، إلى سنوات الدراسة في كندا، ومن قاعات هارفارد وكولومبيا إلى أروقة البيت الأبيض، ومن لحظة القرار في أزمة إيران وأفغانستان إلى تأملاته المتأخرة حول روسيا والصين وأميركا الشعبوية.
وارسو _ بولندا: عالم الطفولة
في مطلع القرن العشرين، لم تكن بولندا مجرد دولة أوروبية ناشئة، بل فكرة معلّقة بين الماضي والإلغاء. عندما أعلن الرئيس الأميركي وودرو ويلسون نقاطه الأربع عشرة عام 1918 وضع استقلال بولندا في النقطة الثالثة عشرة. بالنسبة لكثير من العواصم الأوروبية كان ذلك خطاباً مثالياً، لكن بالنسبة للبولنديين كان إعلان حياة بعد قرنٍ من التقاسم والغياب. الاستقلال لم يكن منحةً أوروبية، بل لحظة ولادة ثانية لدولة اعتادت أن تُمحى من الخرائط ثم تعود إليها.
غير أن الدولة لا تولد بالكلمات وحدها. ما حسم وجود بولندا كان معركة وارسو عام 1920 وهي المواجهة التي دارت قرب العاصمة البولندية بين الجيش البولندي بقيادة يوزف بيوسودسكي_ زعيم بولندي_ والجيش الأحمر السوفيتي المتقدم من الشرق. في تلك اللحظة، كانت الثورة البلشفية تحاول التمدد نحو أوروبا الوسطى، وكان سقوط وارسو يعني فتح الطريق أمامها إلى ألمانيا وربما أبعد من ذلك. أوقف بيوسودسكي ذلك التقدم في ما سُمّي لاحقاً “المعجزة على نهر الفيستولا” نسبة إلى نهر الفيستولا الذي يمر بالعاصمة. وصفها مراقب بريطاني بأنها من المعارك الحاسمة في تاريخ العالم. لم تكن مجرد انتصار عسكري؛ كانت تثبيتاً لهوية أمة تعرّف نفسها دائماً في مواجهة إمبراطوريات أكبر منها.
في هذه المساحة الضيقة بين انتصار 1920 واندلاع الحرب العالمية الثانية 1939، وُلد زبيغنيو بريجنسكي — متشار الأمن القومي الأميركي لاحقا_ في ربيع عام 1928.
بعد أحد عشر عاماً فقط من ولادته، وتحديداً عام 1936، قُسمت بولندا البلاد بين ألمانيا النازية والاتحاد السوفيتي وفق بروتوكول سري لاتفاق مولوتوف–ريبنتروب، وهو الاتفاق الذي وقّعه وزيرا خارجية ألمانيا النازية والاتحاد السوفيتي عام 1939 وتضمّن بنوداً سرية لتقسيم أوروبا الشرقية، ومن ضمنها بولندا. لقد وُلد في لحظة نادرة من الهدوء، لكنها لم تكن سلاماً دائماً؛ كانت استراحة قصيرة بين إعصارين.
نشأ زبيغنيو في عائلة تنتمي إلى طبقة الـ“شلاختا” البولندية، أي طبقة النبلاء التقليدية التي كانت تاريخياً تمثل شريحة ملاك الأراضي والضباط والإداريين في الدولة البولندية القديمة. والده، تاديوش بريجنسكي، كان ضابطاً قاتل تحت راية بيوسودسكي في معركة وارسو، وحمل في ذاكرته شعوراً عميقاً بأن بلاده لم تُهزم يوماً بضعفها، بل بسقوطها ضحية جشع جيرانها. كان يردد أن بولندا تعد بمثابة “المسيح بين الأمم” صُلبت لكنها ستبعث. لم يكن هذا التعبير دينياً بقدر ما كان سياسياً–حضارياً؛ فبولندا، في نظره، كانت جزءاً من الغرب الأوروبي، لكنها تقع جغرافياً في الشرق، محاطة بقوى لا تشاركها تصوراتها السياسية أو الثقافية.
في منزل عائلة بريجنسكي، بدا التاريخ بمثابة تجربة حية. كان الأب يتحدث على مائدة الطعام عن روسيا بوصفها قوة إمبراطورية تمتد جذورها إلى القيصرية ثم البلشفية، وتتعامل مع بولندا كمنطقة نفوذ طبيعي. وكان يتحدث عن ألمانيا، التي خرجت مهزومة من الحرب العالمية الأولى لكنها تحمل في داخلها قابلية للانتقام. كانت أوروبا في نظره رقعة متحركة، وحدودها ليست ثابتة بل قابلة لإعادة الرسم.
أما الأم، ليونيا، فقد درست العلوم السياسية والموسيقى، وكانت ذات حضور اجتماعي وثقافي واضح في وارسو بين الحربين. ولذلك في بيتهم، لم يكن الانتماء الوطني مجرد دفاع عن الحدود، بل شعوراً بالانتماء إلى تقليد ثقافي أوروبي طويل، من الأدب إلى الموسيقى. ولعل هذا التزاوج بين الصرامة السياسية، والذوق الثقافي، خلق بيئة فكرية غنية للطفل الصغير.
طفولة زبيغنيو لم تقتصر على وارسو. فبحكم عمل والده الدبلوماسي، عاش في مدن أوروبية أخرى، من بينها لايبزيغ في ألمانيا، وهي مدينة صناعية وثقافية في شرق البلاد. هناك تعلّم اللغة الألمانية ورأى المجتمع الألماني من الداخل، في فترة كانت النازية تتصاعد فيها تدريجياً. لم يكن “العدو” بالنسبة له صورة مجردة، بل مجتمعاً يتحول أمام عينيه. هذا الاحتكاك المبكر بعالمين — البولندي والألماني — عزز لديه حساً لاحقاً بأن المجتمعات يمكن أن تنزلق إلى التطرف عبر مسارات بطيئة، وليس بالضرورة مفاجئة.
جاءت الحرب العالمية الثانية، التي بدأت فعلياً مع غزو ألمانيا لبولندا في الأول من سبتمبر 1939 تبعه بعد أسابيع دخول الجيش الأحمر من الشرق. انقسمت البلاد مجدداً بين قوتين، كما حدث في القرن الثامن عشر حين قُسمت بولندا بين روسيا وبروسيا والنمسا. وهنا عاد شبح محو البلاد.
أحد أكثر المشاهد تأثيراً في ذاكرته كان اكتشاف مقابر كاتين، وهي غابات قرب مدينة سمولينسك في روسيا، عُثر فيها على آلاف الضباط البولنديين الذين أعدمهم جهاز الأمن السوفيتي عام 1940. السوفييت أنكروا، والحلفاء الغربيون ترددوا في المواجهة لأنهم كانوا بحاجة إلى موسكو في الحرب ضد ألمانيا. هنا كان زبيغنيو يختبر أول درس في السياسة الدولية دون أن يدرك معانيه بدقة مفاده: الحقيقة قد تُؤجل إذا تعارضت مع توازن القوى.
هكذا، بنهاية الفصل الأول، لا نرى طفلاً ينمو في بيئة عادية، بل شاباً يتشكل وعيه في ظل احتلال بولندا ووقوع مجازر عديدة، وسيقضي حياته لاحقاً وهو يتذكر هذه المشاهد.
بريجنسكي الشاب
قبل سنة من وقوع الحرب العالمية الثانية واحتلال بولندا من قبل القوات النازية، كان والد الطفل زبينغو قد أُرسل قنصلاً في كندا عام 1938. ولذلك انتقلت العائلة معه، وكان الطفل آنذاك يبلغ من العمر 10 سنوات. بعد سنة انهارت بولندا، وحاول والده في هذه اللحظة الدفاع عن بولندا بوصفها جزءاً من الغرب الأوروبي. وجوده في السلك الدبلوماسي جعل السياسة جزءاً من الحياة اليومية داخل البيت. كان الحديث يدور بلغة التوازنات والخرائط.
في مونتريال، التحق زبيغنيو بجامعة ماكغيل عام 1945. كان عمره آنذاك 17 عاماً. في الجامعة درس العلوم السياسية في بيئة كندية مستقرة نسبياً، بعيداً عن أوروبا المدمرة التي كانت لا تزال تعيد ترتيب نفسها. وهناك أبدى اهتمامه بدراسة الاتحاد السوفيتي والنظام الشيوعي، وهو المسار الذي سيقوده لاحقاً لدراسة الدكتوراه في جامعة هارفارد في اميركا والانتهاء منها عام 1953.
كان العام (1953) هو ذات العام الذي توفي فيه جوزيف ستالين. هذا التزامن لم يكن تفصيلاً ثانوياً؛ إذ بدا العالم يتساءل إن كان الاتحاد السوفيتي سيتغير بعد رحيل الطاغية. أما بريجنسكي، ففي أطروحته، ركّز على البنية وليس على الأشخاص. رأى أن النظام الشمولي لا يقوم على فرد، بل على منظومة مغلقة تحتكر الحقيقة والسلطة معاً.
في تحليله للاتحاد السوفيتي، وجد أن الحزب هو من يسيطر على الدولة، والدولة تخترق المجتمع، ولا توجد آلية تصحيح ذاتي. لا توجد صحافة مستقلة، ولا معارضة حقيقية، ولا قنوات تعيد النقد إلى القيادة. النظام يسمع صوته فقط. وهذه، في رأيه، نقطة ضعف بقدر ما هي نقطة قوة؛ لأنه كلما زادت مركزية القرار، زادت هشاشة البنية عند تعرضها لضغط حقيقي.
كما شدد على أن الاتحاد السوفيتي ليس دولة قومية متجانسة، بل إمبراطورية متعددة القوميات. وهذا البعد الإمبراطوري — الذي رآه بوضوح من خلال تجربته البولندية — يعني وجود توترات كامنة قد تتحرك إذا ضعف المركز.
في منتصف الخمسينيات بدأ اسمه يبرز أكاديمياً، لكن النقلة المهمة جاءت عام 1960 حين انتقل إلى جامعة كولومبيا في نيويورك. هذا الانتقال كان حاسماً، إذ أصبح يعيش في نيويورك، إحدى عواصم النخبة السياسية والمالية الأميركية. هنا أصبح أقرب جغرافياً وفكرياً إلى دوائر النفوذ.
ومع اقتراب الانتخابات الرئاسية لعام 1964 بدأ نيلسون روكفلر، حاكم ولاية نيويورك وأحد أبرز وجوه الحزب الجمهوري آنذاك، في بناء فريق سياسة خارجية قوي لدعم حملته. كان بحاجة إلى رؤية استراتيجية تجاه الاتحاد السوفيتي. ومن خلال الشبكات التي تربط الجامعات بالسياسة، وصل اسم بريجنسكي إلى دائرته. بين عامي 1963 و1964 انضم بريجنسكي إلى الفريق الاستشاري لروكفلر المعني بحملة الترشح داخل الحزب الجمهوري.
ربما ما جمع الرجلين لم يكن موضوع الاتحاد السوفيتي ، بل كيفية التعامل مع هذا الملف، كما أن لن تقتصر على هذا الملف، وهو ما بدا من خلال عدة نقاط:
أولاً_ روكفلر كان يمثل الجناح الجمهوري الدولي الليبرال المؤيد لدور أميركي نشط عالمياً، والمؤمن بأهمية التحالفات عبر الأطلسي ومؤسسات النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية. هذه الرؤية كانت قريبة جداً من تفكير بريجنسكي الأكاديمي.
ثانياً_خلال حملة 1964 ساهم بريجنسكي في إعداد أوراق تتعلق بالسياسة الخارجية، خصوصاً ما يتصل بإدارة الحرب الباردة، واحتواء الاتحاد السوفيتي، دون الانزلاق إلى تطرف أيديولوجي من نوع الخطاب الذي تبناه باري غولدووتر — المنافس لروكفلر على بطاقة الحزب الجمهوري للرئاسة. كان غولدووتر يمثل تياراً أكثر تشدداً داخل الحزب الجمهوري، وهو ما جعل روكفلر يبدو أكثر “اعتدالاً” مقارنة به، وأقرب إلى المؤسسة التقليدية.
ثالثا_ بعد خسارة روكفلر لانتخابات الترشح عام 1964، لم ينسحب بريجنسكي من الدائرة الروكفلرية، بل ظل يقدّم المشورة، خاصة في ملفات تتعلق بإعادة تعريف دور الولايات المتحدة في عالم يتغير، وتمثل آنذاك، بصعود الصين، تصدعات المعسكر الشيوعي، وأزمة فيتنام. وعندما عاد روكفلر إلى السباق عام 1968 كان بريجنسكي قد أصبح أكثر حضوراً في النقاشات الاستراتيجية داخل أوساط النخبة في نيويورك وواشنطن.
رابعا_ هذه المرحلة الروكفلرية كان لها بعد شبكي (Networking) مهم؛ فقد أدخلت بريجنسكي إلى شبكة علاقات مالية وسياسية وإعلامية واسعة مرتبطة بعائلة روكفلر ومؤسساتها، وهو ما ساعد لاحقاً في تثبيت مكانته داخل المؤسسة الأميركية، حتى وهو ينتقل لاحقاً إلى المعسكر الديمقراطي ويصبح مستشار الأمن القومي للرئيس جيمي كارتر.
الطريق إلى البيت الأبيض
لم يصل زبيغنيو بريجنسكي إلى البيت الأبيض فجأة، بل جاء ذلك نتيجة مسار طويل بدأ في القاعات الأكاديمية، ثم مرّ عبر شبكات النفوذ الجمهوري مع نيلسون روكفلر، قبل أن ينعطف في منتصف السبعينيات نحو مسار جديد تماماً.
بعد انتهاء المرحلة الروكفلرية أواخر الستينيات، وجد بريجنسكي نفسه خارج الدائرة التنفيذية في واشنطن. اذ بدت إدارة ريتشارد نيكسون، ثم إدارة جيرالد فورد، خاضعتين لنفوذ هنري كيسنجر، وهو الرجل الذي أصبح رمزاً للسياسة الخارجية الأميركية في ذلك العقد. بريجنسكي تابع صعود كيسنجر عن كثب. كان يدرك أنه أمام شخصية فكرية قوية، أوروبية المولد مثله، ومهووسة بالتاريخ والتوازنات الكبرى. لكن التشابه في الخلفية لم يمنع اختلافاً عميقاً في الرؤية.
كيسنجر كان يفكر بمنطق “توازن القوى” الكلاسيكي. الاتحاد السوفيتي بالنسبة له قوة عظمى يجب إدارتها، لا تقويضها. سياسة الانفراج التي تبناها لم تكن تعني به تنازلاً، بل محاولة لضبط المنافسة بين القوتين النوويتين ضمن إطار يمكن التحكم به. فالاستقرار، حتى إن كان هشاً، أفضل من مغامرة غير محسوبة.
أما بريجنسكي، الذي تشكل وعيه في ظل سقوط بولندا تحت الهيمنة السوفيتية، فكان ينظر إلى موسكو من زاوية مختلفة. لم يرها مجرد دولة قومية عظمى تسعى إلى مصالحها، بل إمبراطورية متعددة القوميات، تحمل في داخلها توترات تاريخية كامنة. الاستقرار الظاهر للنظام الشمولي لم يكن في نظره ضمانة ديمومة، بل ربما علامة جمود. ولذلك اعتقد أن الانفراج، إذا لم يُقرن بضغط استراتيجي طويل المدى، قد يمنح موسكو وقتاً ومساحة لإعادة التمركز.
هذا التباين الفكري لم يتحول آنذاك إلى صراع مباشر، لكنه ظل حاضراً في خلفية المشهد. التحول الحقيقي جاء عام 1975. في ذلك العام بدأ تواصل بريجنسكي مع جيمي كارتر، الحاكم السابق لولاية جورجيا، الذي كان يستعد لدخول السباق الرئاسي لعام 1976. كارتر لم يكن جزءاً من المؤسسة التقليدية في واشنطن، ولذلك لم يكن محاطاً بشبكة قديمة من مستشاري الأمن القومي. أخذ يبحث عن عقل استراتيجي مستقل، قادر على صياغة رؤية متماسكة لحملته الانتخابية، لكنه غير مرتبط بإرث نيكسون–كيسنجر.
في هذه اللحظة التقى المساران. بريجنسكي، الذي لم يجد مكاناً في إدارة الجمهوريين _ريتشارد نيكسون وجيرالد فورد_ وجد في كارتر فرصة جديدة. وكارتر وجد في بريجنسكي خبيراً يفهم الحرب الباردة بعمق، لكنه لا ينتمي إلى النخبة البيروقراطية القديمة.
خلال حملة كارتر للرئاسة، أصبح بريجنسكي المستشار الرئيسي لكارتر في السياسة الخارجية. لم يكن دوره تقنياً فحسب؛ كان يساهم في صياغة الإطار العام لرؤية كارتر للعالم. في تلك الفترة أخذ يتحدث عن ضرورة إعادة إدخال البعد الأخلاقي إلى السياسة الخارجية الأميركية، خصوصاً عبر التركيز على حقوق الإنسان. هذا لم يكن رفضاً للواقعية الاستراتيجية، بل توسيعاً لها. بالنسبة له، كان الضغط الأخلاقي يمكن أن يصبح أداة استراتيجية ضد نظام شمولي يدّعي الشرعية الثورية.
في الأشهر الأولى من إدارة كارتر، بدأ أن هناك صراع عملي داخل الإدارة، خصوصاً بين بريجنسكي_ الذين عين مستشاراً للأمن القومي الأميركي_ وبين ووزير الخارجية سايروس فانس. فانس، الدبلوماسي المخضرم، كان يؤمن بإمكانية إدارة العلاقات مع موسكو عبر قنوات تفاوضية هادئة، وبأن الاستقرار الدولي يتطلب صبراً ومرونة. بريجنسكي، من جانبه، كان ينظر إلى السلوك السوفيتي بعين أكثر شكاً، ويرى أن أي تحرك يجب أن يُقرأ ضمن إطار استراتيجي طويل المدى، لا مجرد حادثة منفصلة.
مختبر إيران 1979:
في عام 1978 بدأت الاحتجاجات في مدن إيرانية عدة. في البداية بدت اضطرابات قابلة للاحتواء ضمن منطق الإصلاح التدريجي أو المعالجة الأمنية المحدودة. الشاه محمد رضا بهلوي، الذي كان يُنظر إليه في واشنطن بوصفه ركناً أساسياً في منظومة الأمن الإقليمي، لم يُتوقع أن يسقط بهذه السرعة. كان الرجل قد حكم فعلياً منذ انقلاب 1953 الذي أعاد تثبيته في السلطة، ونجح في بناء جيش قوي، وربط اقتصاد بلاده بالنفط والأسواق الغربية، وقدم نفسه حليفاً ثابتاً للولايات المتحدة في مواجهة الاتحاد السوفيتي. لكن ما لم يكن واضحاً في واشنطن هو عمق التآكل الداخلي في شرعية النظام. الإصلاحات الاقتصادية المتسارعة، والتحديث القسري، والقمع السياسي، كلها خلقت طبقات اجتماعية متناقضة ومشاعر استياء عميقة. وفي تلك اللحظة عاد آية الل الخميني ، الذي كان منفياً لسنوات، إلى مركز المشهد بوصفه رمزاً جامعاً للاعتراض الشعبي.
بالنسبة لبريجنسكي، كانت القراءة الأولى للأزمة استراتيجية بحتة. إيران دولة محورية تقع بين الاتحاد السوفيتي والخليج العربي، وسقوطها قد يخلق فراغاً يمكن أن تستفيد منه موسكو، والمنطقة بأكملها قد تدخل في حالة عدم استقرار واسعة. لكن الثورة لم تكن شيوعية، ولم تكن مدفوعة بمشروع ماركسي تقليدي يمكن إدراجه بسهولة في معادلات الحرب الباردة، بل كانت دينية–شعبية، ذات طابع تعبوي مختلف، تستند إلى خطاب أخلاقي وثقافي أكثر منه أيديولوجياً بالمعنى الحزبي. هنا ظهرت محدودية الإطار التحليلي التقليدي للحرب الباردة، الذي اعتمده بريجنسكي في تحليله للأحداث.
في يناير 1979 غادر الشاه إيران، وفي الأول من فبراير 1979 عاد الخميني إلى طهران، وخلال أسابيع انهار النظام الملكي بالكامل. شكلت تلك اللحظة تحولاً مفاجئاً في ميزان التصورات داخل الإدارة الأميركية. لم يعد السؤال: كيف نحافظ على حليف قوي؟ بل أصبح: كيف نتعامل مع نظام جديد معادٍ، غير قابل للقراءة ضمن الثنائية التقليدية واشنطن–موسكو؟ ثم جاءت لحظة الرابع من نوفمبنر 1979 حين اقتُحمت السفارة الأميركية في طهران واحتُجز اثنان وخمسون دبلوماسياً رهائن. لم تكن أزمة الرهائن مجرد أزمة دبلوماسية يمكن إدارتها عبر القنوات المعتادة، بل كانت أزمة رمزية عميقة، إذ وجدت الدولة العظمى نفسها مشلولة أمام مجموعة من الطلاب المسلحين، وتحوّل الرهائن إلى عنوان يومي للسياسة الأميركية.
داخل البيت الأبيض، أصبح التوتر بين بريجنسكي ووزير الخارجية سايروس فانس أكثر وضوحاً. فانس فضّل المسار الدبلوماسي الهادئ والحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة، بينما رأى بريجنسكي أن الهيبة الأميركية على المحك، وأن أي تردد قد يُفسَّر ضعفاً استراتيجياً. ومع ذلك لم تكن الخيارات سهلة. فالتدخل العسكري كان محفوفاً بالمخاطر، والعمل الدبلوماسي كان بطيئاً ومليئاً بالتعقيدات. في أبريل 1980 فشلت محاولة إنقاذ عسكرية، حيث تحطمت المروحيات وقُتل ثمانية جنود أميركيين، وشكلت تلك الحادثة ضربة نفسية وسياسية هائلة. أصبحت أزمة إيران عبئاً يومياً على الإدارة، وعلى الرئيس كارتر شخصياً.
هنا وجد بريجنسكي، الذي كان يؤمن بضرورة الضغط الاستراتيجي على الإمبراطوريات الشمولية، نفسه في أزمة لم تكن إمبراطورية تقليدية، بل ثورة دينية تعبّر عن رفض داخلي عميق للهيمنة وللحداثة القسرية معاً. إيران كشفت أن النظام الدولي لا يتحرك فقط وفق منطق التوازن بين قوتين عظميين، وأن هناك قوى اجتماعية وثقافية ودينية يمكن أن تقلب الحسابات الاستراتيجية. بالنسبة لبريجنسكي كانت هذه لحظة صعبة، ليس لأن تحليله كان خاطئاً بالكامل، بل لأن أدوات الحرب الباردة لم تكن كافية لفهم كل ما يحدث.
وبينما كانت واشنطن غارقة في أزمة الرهائن، كان الاتحاد السوفيتي يتحرك في أفغانستان. بدا أن التاريخ يعيد الاصطفاف في صورته الأكثر تقليدية حين عبرت القوات السوفيتية الحدود في ديسمبر 1979 في تدخل عسكري مباشر لحماية نظام موالٍ لها. في هذه اللحظة شعر بريجنسكي أن تحليله البنيوي_ إطار الحرب الباردة_ يجد أرضه مجدداً، فالغزو السوفيتي أكد في نظره أن موسكو لا تزال تفكر بمنطق توسعي إمبراطوري. لكن إيران بقيت بمثابة الجرح المفتوح، و أزمة لا تُحل بسرعة، وتحدياً لا يندرج بالكامل تحت نظرية الشمولية.
اعتقد بريجنسكي أن دعم المقاومة الأفغانية لن يكون مغامرة أيديولوجية، بل أداة لإجبار الاتحاد السوفيتي على دفع كلفة عالية مقابل تدخله. فالصراع، كما فهمه، لم يكن حول مستقبل أفغانستان وحدها، بل حول قدرة موسكو على توسيع نطاق نفوذها بلا ثمن.في هذه الأزمة، بدا الفارق بين إيران وأفغانستان واضحاً في طريقة تموضع بريجنسكي. في إيران، كان يتعامل مع ثورة غير قابلة للتأطير ضمن ثنائية الحرب الباردة التقليدية. في أفغانستان، عاد الصراع إلى شكله المألوف: قوة عظمى تتحرك عسكرياً لتثبيت نفوذها.
انهيار الاتحاد السوفيتي:
غادر زبيغنيو بريجنسكي البيت الأبيض في 20 يناير 1981، وذلك إثر هزيمة كارتر أمام رونالد ريغان في انتخابات 1980. مع ذلك، لن يكون خروجه نهاية حضور، بل انتقالاً من موقع القرار التنفيذي إلى موقع التأثير الفكري. أربع سنوات قضاها في قلب السلطة، وسط أزمات إيران وأفغانستان، جعلته يختبر مباشرة حدود النظرية حين تصطدم بالواقع. لكنه حين عاد إلى الحياة الأكاديمية والبحثية، لم يعد المفكر ذاته الذي دخل البيت الأبيض عام 1977.بل أصبح رجل دولة سابقاً يحمل تجربة عملية، ويعيد قراءة العالم من موقع من خبر السلطة ولم يعد مقيداً بإكراهاتها اليومية.
ومع وصول رونالد ريغان إلى الرئاسة، تغيّر الخطاب الأميركي تجاه الاتحاد السوفيتي. ومن خارج الإدارة، تابع بريجنسكي هذه التحولات بوصفه مراقباً استراتيجياً، لا معارضاً حزبياً. لم يعد معنياً بإدارة اجتماعات مجلس الأمن القومي، لكنه ظل معنياً بالسؤال المركزي الذي رافقه منذ شبابه: كيف تعمل الإمبراطوريات، ومتى تبدأ في التصدع؟
في عام 1985 حين تولى ميخائيل غورباتشوف منصب الأمين العام للحزب الشيوعي السوفيتي، اعتُبرت تلك اللحظة نقطة انعطاف داخل الاتحاد السوفيتي نفسه. فقد ظهرت نبرة مختلفة في الخطاب والأسلوب. بالنسبة لبريجنسكي، الذي كان قد درس الشمولية كنظام مغلق يقوم على السيطرة المركزية والانضباط الأيديولوجي، بدا أن مجرد الحديث عن الإصلاح والانفتاح يحمل دلالة تتجاوز المعنى الإداري. لم يتعامل معها بوصفها مناورة تكتيكية قصيرة الأمد، ولا بوصفها ضمانة تحول سلس، بل كعلامة على أن الاتحاد السوفيتي يمر بمرحلة إعادة نظر داخلية.
حين بدأت الإمبراطورية السوفيتية تتداعى أواخر الثمانينيات، لم يتعامل بريجنسكي مع الحدث بوصفه مفاجأة تاريخية، بل بوصفه تحققاً لمسار طويل كان يتوقعه. في كتابه الصادر عام 1989 بعنوان The Grand Failure: The Birth and Death of Communism in the Twentieth Century
وترجم الكتاب للعربية بعنوان “ الفشل الكبير :ميلاد وموت الشيوعية في القرن العشرين” ،كتب عن الشيوعية كنظام وصل إلى نهايته التاريخية. لم يكن سقوط جدار برلين في نوفمبر 1989 بالنسبة له انهياراً مفاجئاً، بل تتويجاً لأزمة بنيوية داخل النظام السوفيتي نفسه.
في مارس 1989 زار بولندا، ورأى بأم عينه انتقال أوروبا الشرقية وهي تعود إلى أوروبا الوسطى. وفي أكتوبر من العام نفسه، زار موسكو. مذكراته عن تلك الرحلة تعكس مزيجاً من الدهشة والحذر. التقى شخصيات سوفيتية رفيعة، ولاحظ هشاشة الثقة داخل النظام. وجد أن اللحظة التاريخية تفرض على الغرب وضوحاً أخلاقياً واستراتيجياً. في أغسطس 1991 حين وقعت محاولة الانقلاب ضد غورباتشوف، كتب في واشنطن بوست منتقداً تردد الإدارة الأميركية. ودعا إلى عدم “مداعبة غورباتشوف المتردد” واعتبر أن الطريق الوحيد نحو روسيا ديمقراطية وغير إمبراطورية يمر عبر تفكيك الاتحاد السوفيتي نفسه. وحين تسارعت الأحداث، وصوّتت أوكرانيا على الاستقلال بعد أيام من الانقلاب، رأى في ذلك نقطة تحول حاسمة. لم يعد الأمر يتعلق بإصلاح الاتحاد، بل بحلّه.
في نصوصه وتصريحاته، دعم بوريس يلتسين، الرئيس الروسي الأسبق، الذي اعتبره رمزاً لشجاعة الالتزام. وحين أعلن حل الاتحاد في ديسمبر 1991 لم يتعامل مع الحدث كمأساة، بل كضرورة تاريخية.مع ذلك، لن يرى بريجنسكي في روسيا ما بعد السوفيت ديمقراطية مكتملة. كان يدرك هشاشة الانتقال، وخطر الحنين الإمبراطوري. تفكك الاتحاد لا يعني نهاية الطموح الروسي، بل إعادة تعريفه. روسيا، في نظره، قوة كبرى فقدت إمبراطوريتها فجأة، وهذا يولد توترات داخلية عميقة.
في أوائل التسعينيات، أيّد توسيع الناتو شرقاً، معتبراً أن دمج أوروبا الوسطى والشرقية في المؤسسات الغربية هو السبيل الوحيد لتثبيت الاستقرار. لم يكن الهدف معاقبة روسيا، بل منع فراغ استراتيجي. كان يرى أن الفراغ في أوراسيا يولّد قوى مضطربة. بولندا، تشيكيا، المجر، ثم لاحقاً دول البلطيق — يجب أن تُثبّت داخل الفضاء الغربي قبل أن تتشكل مناطق رمادية.
وفي الوقت نفسه، دعا إلى عرض صيغة على روسيا تضمن لها مكانة أوروبية إذا قبلت حدودها الجديدة. في السنوات اللاحقة، حين تصاعدت التوترات حول أوكرانيا، اقترح ما سماه “خيار فنلندا” لأوكرانيا — دولة مستقلة غير منضمة للناتو، لكن مرتبطة بأوروبا — لتجنب صدام مباشر مع موسكو. هذا يعكس توازنه الدائم بين دعم استقلال الجمهوريات السابقة ومنع الانزلاق إلى مواجهة كبرى.
في كتابه Out of Control: Global Turmoil on the Eve of the 21st Century (1993)
_خارج السيطرة: اضطراب عالمي على عتبة القرن الحادي والعشرين_ حذر من أن العالم ما بعد الحرب الباردة ليس نهاية التاريخ، بل بداية اضطرابات جديدة. كان يختلف مع التفاؤل المفرط الذي رافق أطروحة “نهاية التاريخ”. بالنسبة له، انهيار الاتحاد السوفيتي لا يعني نهاية السياسة القوية أو عودة عالم متناغم.
ومع صعود فلاديمير بوتين لاحقاً، لم يتفاجأ بعودة النزعة المركزية في روسيا. كان يرى في ذلك تعبيراً عن جرح إمبراطوري لم يلتئم. روسيا، في قراءته، تتأرجح بين خيارين: أن تصبح دولة أوروبية طبيعية، أو أن تعود إلى مشروع نفوذ إقليمي. لم يعتقد أن الغرب يجب أن يعاملها كعدو دائم، لكنه كان يرفض أيضاً منحها حق الفيتو على خيارات جيرانها.
ومع تصاعد التوترات في العقدين اللاحقين، خصوصاً مع عودة النزعة المركزية في موسكو، أشار بريجنسكي إلى ضرورة تجنب تحويل أوكرانيا إلى ساحة مواجهة صفرية بين روسيا والغرب. في بعض تحليلاته، اقترح صيغة توازن: أوكرانيا دولة مستقلة ذات سيادة، منفتحة على أوروبا، لكن من دون أن تصبح منصة عسكرية مباشرة ضد روسيا. لم يكن ذلك تراجعاً عن دعم استقلالها، بل محاولة لمنع صدام مباشر واسع.
11 سبتمبر بعيون بريجنسكي:
كان بريجنسكي في بكين، يتناول العشاء مع المستشار الألماني السابق هيلموت كول، حين بدأ يتلقى الأخبار عن الهجمات في نيويورك وواشنطن عام 2001. المشهد لم يكن مجرد خبر عاجل؛ كان حدثاً يقلب الإحساس باليقين الأميركي الذي تشكّل بعد نهاية الحرب الباردة. عودته إلى الولايات المتحدة لم تكن فورية، إذ استغرق الأمر أياماً بسبب إغلاق المجال الجوي الأميركي.
في الوقت نفسه، كانت ابنته ميكا في نيويورك تعمل مراسلة تلفزيونية وتنقل المشاهد من موقع انهيار البرجين.
الصدمة الأكبر لبريجنسكي لم تكن فقط الهجمات، بل السرد الذي بدأ يتشكل بعدها. في الأسابيع اللاحقة، انتشرت اتهامات تصفه بأنه “الأب الروحي لتنظيم القاعدة” بسبب دعمه للمجاهدين الأفغان ضد السوفييت في أواخر السبعينيات. في رأيه، الخطأ الحقيقي لم يكن في دعم المجاهدين، بل في تخلي الولايات المتحدة عن أفغانستان بعد انسحاب السوفييت، وتركها تنزلق إلى الفوضى.
حذّر بريجنسكي من تصوير الصراع بوصفه حرباً بين الإسلام والغرب. في رسالة بعثها إلى وزير الدفاع آنذاك، دونالد رامسفيلد، دعا إلى رد سريع ومحدد ضد القاعدة وطالبان، مع تجنب التورط الطويل الذي قد يشبه التجربة السوفيتية في أفغانستان. وفي مقال نشره بعد أيام، شدد على ضرورة عزل المتطرفين عن المجتمعات الإسلامية، بدلاً من تحويل المواجهة إلى صراع ثقافي شامل.
يُظهر بريجنسكي في لحظة 11 سبتمبر ليس كصوت تعبئة، بل كصوت تحذير. كان يدرك أن الولايات المتحدة تعيش صدمة نفسية غير مسبوقة، وأن الميل الطبيعي في مثل هذه اللحظات هو البحث عن رد شامل وسريع يعيد الإحساس بالسيطرة. لكنه رأى أن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول الصدمة إلى استراتيجية.
في الأيام الأولى بعد الهجمات، كانت اللغة العامة في واشنطن تتجه نحو توصيف الحدث بوصفه حرباً تاريخية مفتوحة، بل أحياناً مواجهة حضارية. بريجنسكي رفض هذا المنحى بوضوح. لم يرَ في الهجمات دليلاً على صدام بين الإسلام والغرب، بل عملاً إرهابياً نفذته جماعة متطرفة يجب عزلها، لا توسيع نطاقها عبر خطاب تعبوي عام.
التحول الأكبر جاء لاحقاً مع قرار إدارة بوش غزو العراق عام 2003. هنا ظهر بصفته أحد أبرز الأصوات المنتقدة. لم يعتبر الحرب على العراق امتداداً ضرورياً لمعركة أفغانستان، بل انحرافاً عنها. في نظره، كانت أولوّية الولايات المتحدة بعد 11 سبتمبر هي تفكيك الشبكات الإرهابية وملاحقة المسؤولين المباشرين، بدلاً من فتح جبهة جديدة في دولة لم تكن مرتبطة عضوياً بهجمات نيويورك وواشنطن.
رغم ذلك، فإن اعتراضه على الحرب لم يكن أخلاقياً بقدر ما كان استراتيجياً. رأى أن غزو العراق سيؤدي إلى تشتيت الموارد والاهتمام بعيداً عن أفغانستان، وسيخلق فراغاً إقليمياً معقداً، ويؤجج مشاعر معادية لأميركا في العالم العربي والإسلامي. كما كان يخشى أن يتحول الصراع من مواجهة تنظيم محدد إلى حرب مفتوحة على نطاق أوسع، وهو ما حذر منه منذ الأيام الأولى بعد الهجمات.
في هذه المرحلة، لم يعد بريجنسكي في موقع سلطة تنفيذية، لكنه كان حاضراً بقوة في النقاش العام. شارك في الندوات، وكتب، وصرّح بوضوح أن الاستراتيجية الأميركية يجب أن تكون محددة الأهداف، لا مدفوعة بمزاج تعبوي. كان يرى أن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تستطيع أن تعيد تشكيل المجتمعات بالقوة وحدها.
أميركا والصين:
في سنواته الأخيرة، لم يعد بريجنسكي منشغلاً بإدارة أزمة محددة، بل أصبح منشغلاً بما يعتبره أزمة أعمق: أزمة الاتجاه. لم يعد السؤال في نظره: من هو الخصم؟ بل: هل الولايات المتحدة قادرة على أن تقود نفسها قبل أن تقود العالم؟ كان يرى أن التفوق الأميركي بعد 1991 لم يُدار على نحو يحافظ على التماسك الداخلي. فالانقسام الحزبي المتصاعد، في نظره، لم يكن مجرد تنافس سياسي طبيعي، بل انزلاق نحو استقطاب يُضعف القدرة على التفكير الاستراتيجي طويل الأمد.
كان يتحدث بقلق عن “الجهل بالعالم”, لم يكن يقصد قلة المعلومات، بل ضعف الاهتمام الحقيقي بفهم السياقات الدولية المعقدة. المجتمع الأميركي، كما يراه في تلك المرحلة، أصبح أقل ميلاً إلى دراسة التاريخ والجغرافيا السياسية، وأكثر ميلاً إلى قراءات آنية وشعبوية. فالشعبوية، في تحليله، لا تُنتج سياسة خارجية مستقرة، لأنها تعتمد على المزاج العام، لا على حسابات متأنية. كان يرى أن الخوف — سواء من الإرهاب أو من العولمة أو من فقدان الوظائف — أصبح يُستثمر سياسياً بطريقة تُغلق الأفق بدل أن تفتحه.
في هذا السياق، كان يعتبر أن التحدي الأكبر ليس عسكرياً، بل معرفياً–ثقافياً. القوة الأميركية قائمة، لكنها تحتاج إلى مجتمع يفهم معنى هذه القوة وحدودها. إذا تحولت السياسة الخارجية إلى أداة تعبئة داخلية، فإنها تفقد بعدها الاستراتيجي. كان يحذر من أن دولة منقسمة بشدة يصعب عليها أن تقود نظاماً دولياً معقداً.
أما الصين، فقد تعامل معها بوصفها التحول البنيوي الأهم في القرن الحادي والعشرين. لكنه رفض أن يُختزل صعودها في معادلة “عدو جديد”.
الصين، في قراءته، ليست نسخة جديدة من الاتحاد السوفيتي. لم تكن تسعى إلى تصدير أيديولوجيا عالمية بالطريقة نفسها، بل إلى توسيع نفوذ اقتصادي وتقني وجيوسياسي. كما اعتبر أن آسيا أصبحت مركز الثقل الجديد للنظام الدولي، وأن إهمال هذه الحقيقة أو التعامل معها بردود فعل عاطفية سيضعف موقع الولايات المتحدة. ولذلك اعتقد أن إسقاط نموذج الحرب الباردة على بكين سيكون خطأً تحليلياً.
بريجنسكي الشيخ:
في سنواته الأخيرة، أصبح جسده أضعف، لكنه ظل يحافظ على روتين يومي: يلعب التنس صباحاً، ويقرأ ويكتب. كان يعيش بين عالمين: عالم التحليل المجرد لعلاقات القوى في أوراسيا، وعالم التفاصيل اليومية التي تحتاج إلى عناية. لم يعد صوته حاداً كما كان في زمن الحرب الباردة، لكنه أصبح أكثر تأملاً. لم يتخلّ عن إيمانه بأهمية الجغرافيا السياسية، لكنه صار أكثر وعياً بهشاشة كل قوة، بما في ذلك القوة الأميركية. كان يرى أن التاريخ لا ينتهي بانتصار طرف، وأن كل تفوق يحمل في داخله بذور اختباره.
لم يعد يتحدث من موقع المواجهة كما في زمن كارتر، بل من موقع التأمل. كان يجلس في مطعم بواشنطن، يطلب مشروب “دوبونيه” قبل الغداء، ويتحدث عن مستقبل أميركا بنبرة مزيج من القلق والسخرية. حين استشهد بعبارة المسؤول الصيني الذي قال:رجاءً لا تنحدروا بسرعة كبيرة” لم يكن ذلك استعراضاً بل لحظة صادقة من التفكير. بدا كأنه يرى بلداً تبناه ويخشى عليه، وليس مجرد قوة عظمى يقيّمها ببرودة.
كان الرجل الذي أمضى حياته يحلل التوازنات الكبرى في أوراسيا ويضع خرائط ذهنية للقارات، قد يتردد أمام تفاصيل بسيطة في الحياة اليومية. حين تغيب زوجته موسكا، يبدو أقل ثقة في أمور منزلية عادية. ليس لأنه عاجز، بل لأن ذهنه عاش دائماً في مستويات تجريدية عالية. كان يعيش في عالم الأفكار الكبرى، بينما تولّت زوجته إدارة إيقاع الحياة اليومية.
جسده كان يشيخ، لكن ذهنه ظل يقظاً. وفي لحظات معينة، يظهر فيه شيء من الحنين. ليس حنيناً إلى الحرب الباردة، بل إلى زمن كانت فيه المعادلات أوضح. العالم بعد 1991 ثم بعد 2001 أصبح أقل قابلية للتصنيف. ربما كان في داخله شيء من الراحة تجاه صراع ثنائي واضح المعالم، مقارنة بعالم تتداخل فيه الشعبوية والإرهاب وصعود قوى جديدة وانقسام داخلي أميركي.
لكن الأهم أن الشيخوخة لم تحوله إلى متشائم مطلق. ظل يعتقد أن الولايات المتحدة تملك مقومات النهوض إذا واجهت مشكلاتها بصدق. قلقه لم يكن انكساراً، بل تحذيراً. كان يرى أن القوة لا تدوم بلا وعي، وأن الدول، مثل الأفراد، تحتاج إلى مراجعة ذاتية كي تبقى.
في لقاءاته الأخيرة، كان يربط بين التاريخ الشخصي والتاريخ العالمي. عاش سقوط بولندا بين إمبراطوريتين، وشهد انهيار الاتحاد السوفيتي، ثم تابع عودة روسيا إلى مركز المشهد بوجه جديد. هذا الامتداد الزمني الطويل منحه نوعاً من الهدوء التحليلي. لم يعد يبحث عن انتصار نهائي، بل عن توازن يمنع الانزلاق إلى صدام غير ضروري. الشيخوخة جعلته أقل إيماناً لفكرة أن النظام الدولي قد يُدار فقط عبر شبكة توازنات متبدلة. لذلك، حين حذر من تحويل الصين إلى “سوفييت جديد” أو من تحويل الإسلام إلى “عدو حضاري”، فهو لا يعارض الحزم، بل يعارض الكسل الذهني الذي يبحث عن خصم بسيط لتفسير عالم معقد.
وظل يردد في أيامه الأخيرة أن الخطر الأكبر على أميركا لم يعد خارجياً فقط، بل داخلياً–مدنياً. فحين تحدث عن الشعبوية والخوف والجهل، لم يقصد شريحة بعينها بقدر ما قصد مناخاً يبدّل طبيعة القرار. الشيخوخة جعلته حساساً لفكرة أن الإمبراطوريات لا تسقط دائماً بسبب غزو خارجي؛ اذ قد تتآكل من الداخل عبر فقدان المعنى المشترك، وتراجع التعليم، وتحول السياسة إلى عرض دائم.
الخلاصة التي خرج منها في آخر أيامه: القوة قد تنحدر بلا معركة كبرى بالضرورة ، بل عبر تراكمات وانقسامات وارتباك، وأن أهم ما يحتاجه صانع القرار ليس المزيد من القوة، بل المزيد من البصيرة.
توفي يوم 26 مايو 2017 ، عن عمر ناهز 89 عاماً…
المصدر: http://alnogaidan.com